نص مسرحي: ” السجن والمطر” / تأليف: علي حسين الخباز

(دوي انفجارات… صوت رصاص .. ممثلون يركضون صوب القاعة وممثلون يركضون صوب المسرح .. ركض .. صراخ .. عويل ..زغاريد ….) يدخل أحمد من خلف الجمهور .. بخطى واهنة … يعود صخب المشهد .. إثارة … ناس تبحث عن مقابر ابنائها وناس تبحث عن الغنائم… والبعض ما زال يفتش في الغرف عن غنيمته)

واحد: (يصرخ) هنا … هنا ..

آخر : (يصرخ) لا.. لا هناك …

( يتقدم أحمد صوب المسرح … يفتح باب السجن ويقف عند غرفة كتبت عليها لائحة السجن .. يدخل فيها ويتأمل المكان )

أحمد : دعني أنادم همس الجدران ..(يسير باتجاه الجدار ) أكيد هي تعرفني …(يقلب النظر بين شخابيط الذكريات) نعم تعرفني وتعرف لون بشرتي (يرى بقعة دم فاتحة اللون على الجدار ) ولون دمي الذي ما عاد يشبه دم إنسان … كنا ندون على وجهها أسمائنا ونحيب أمهاتنا ..ونراها عند مساءات الحزن تنوح.. تكابر لتسرق منا الحزن خلسة عن أعين السجان ..

(… جلبة صوت .. تمتمات أحاديث عابرة)

أحمد: أين انتم الآن؟ (يقف بجانبه هيثم … يرفعان الراس الى السماء) انظر … انظر ذاك هو الهلال

هيثم : أين هو ؟

احمد: (يؤميء بيده) ذاك ألا تراه ؟

هيثم : لا .. لا أراه

احمد : انظر لتلك الشجرة

هيثم: أين هي؟ لا أراها

احمد : تلك يا أخي تلك… صعـّد نظرك فوقها عموديا سترى الهلال ..ذاك هو هل رأيته؟

هيثم : أنا لا أرى سوى سقف هذا السجن

أحمد : انظر فوقه ..انظر فوقه دائما …انظر فوق (نشيج) انظر فوقه …( برهة صمت ..يسود جو من الحزن والصمت… يتفحص غرفة السجن ) يبدو إن السجن قد هرم مثلنا..فقد كان شابا فتيا يينع بالحياة

هيثم : (يتأمل عبر مسامات الباب) أتدري إذا خرجنا من السجن.

احمد : ( يضحك ) ماذا ستفعل؟

هيثم :سوف لن نتركه وحده .. سنأخذه معنا

احمد : من ؟

هيثم : السجن

احمد : لا .. لا احد يحركه من هذا المكان

هيثم :لم ؟

احمد : انا احلم بان هذه المديرية الحقيرة تتحول الى مدرسة

هيثم : (باستغراب) مدرسة ؟

احمد :و أن يصيرهذا السجن صفا

هيثم : صف ؟

أحمد : يعلم أبنائنا أبجدية الحياة.. دار ..دور .. داران .. هذه دارنا

(تصفيق ساخر من طرف آخر ليدخل السجين عماد من ضمن المشهد )

عماد :شاعر وستبقى تغزل من كلماتك شخير أحلام مكشوفة القدمين

أحمد : الأحلام مثل البشر يا صديقي،تحتاج إلى أرض كي تنمو وتحتاج إلى شمس وماء

عماد : (يسلط عليه الضوء ) أحمد . رويدك انه سجن .. سجن

احمد: جئناه كي لا تسجن فينا الأحلام

(تطرق أبواب السجن بقوة ـ فيضج المكان .. صراخ .. أهات ـ وضحك من الخارج وعويل ـ يتحرك السجناء .. صوب الجدران، يظهر هيثم مرعوبا يلتصق بالحائط )

( ومشهد بنتومايم احمد يجلد .. يصرخ ـ يصرخ ـ يصرخ ـ يبكي )

أحمد : (وهو يرتدي قميصه بالم ) منذ ان دخلت هذا المكان ـ كنتُ احمل معي هدهدة المهد ـ ترنيمة أمي

(صوت إلام) : دلول يالولد يبني دلول عدوك عليل وساكن الجول وحملت معي كل أزقة ( المخيم ) وباب الطاق أزقة ضيقة تتسع في دواخلي لتصير شوارع من أمل وحياة ووجه أول معلم درسني … دار … دور …

(صوت اطفال يقرأون النشيد): ( احنه الصف الأول أحسن الصفوف ..والميصدك بينه خلي يجي ويشوف )

أحمد : أتذكره الآن أستاذ مرزة ..(ابوعماد ) سألته مرة : استاذ من اين يأتي المطر؟

هيثم : المطر ؟

أحمد : المطر ،كنت لا أفهم كيف تتبخر ماء الأنهار …يصعد إلى فوق

هيثم: الى فوق يلتقي البخار بطبقات باردة ثم ينزل المطر (يغطي رأسه وكأنه يستشعر المطر) مطر ..مطر

احمد : مطر… يغسل وجه الأرض مطر .. مطر …وهكذا كبرتُ لأعانق وجه الحبيبة تحت كل مطر ..نجوب الشوارع .. المقابر ..

عماد: (بسخرية واستغراب ) المقابر.. هل شحت الامكنة لتلتقي الحبيبة بين القبور ؟

أحمد: نفترش حنين محبتنا و نقرأ له من قبلاتنا سورة الفاتحة (يضع يده على الارض ..كمن يقرأ الفاتحة على قبر ) ثم كبرتُ .. كبرتُ ..وإذا بعريف أهوج قضى العمر كله جاء يعلمني كيف أضع الفرضة على الشعيرة (يضع بندقية موهومة على كتفه ـ يصوب نحو الهدف ) وانظر بكل ما املك من روح أسفل الساعة ستة ..

هيثم: (بحرقة) ألف لعنة على الساعة ستة وما أسفلها

أحمد: اعتمرتنا حروب وحروب والمطر ما زال يتبعني أينما أروح…. المطر صديقي……. (برهة صمت )

عماد : وهل قال لك أستاذ مرزة إن البذرة لا تنمو بالمطر وحده ..

احمد: لم افهم هذا المعنى الا هنا…أدركت باننا نحتاج اولا الى ارض كي ننمو والى شمس وهواء

هيثم : أحمد أنا جوعان …هل لديك شيئا نأكله ؟

عماد: سيأتون بعد قليل ..( يضحك ) ويجلبون لك ما تشتهي

هيثم :اتسخر من خوفي ؟!!أنا .. أنا ..أنا لستُ ضعيفا مثلما تظن.. لكني هكذا أنا…. أخاف ..هل عيبٌ أن نخاف ؟؟…

عماد: نعم عيب

احمد : العيب في ان لا نخاف ..

عماد :كيف ؟

احمد : الخوف ادراك لأهمية قيمة اسمى وافضل، والخوف على ما وهبنا الله ليس جبنا بل حرصا يثاب عليه المرء

هيثم : ( برهة صمت )نشأت في حضن عائلة تخاف علي….. تخاف علي من النسمات …وأين اذهب أخذ معي صوت أمي …

صوت الأم: ماما دير بالك على نفسك …

هيثم : نعم ماما

الأم :دير بالك أن تتشاجر ..

هيثم : نعم ماما

الأم : امشي بعين مفتوحة …

هيثم :نعم ماما

الأم : إياك أن تقول ..

هيثم : نعم

الأم :إياك أن ..

هيثم : نعم

الأم : إياك …

هيثم : نعم

الأم :إياك

هيثم :حتى صرت أخشى كل شيء …لا أصدقاء لدي …لا احد يعرفني سوى باسم أبي

صوت :ـ.. من هذا الولد ؟…

صوت آخر : أوه أنه ابن عزيز العطار..

هيثم :فالكل يناديني ابن عزيز لا احد يعرف إن عند ي أسم….. وهو هيثم …اطلع من سوق النجارين لأدلف سوق النجارين .والكل يناديني الحاج عزيز .عماد عماد

عماد : نعم

هيثم : هل سنبقى هنا طويلا؟ أم …. أم ….يا ترى ها ..أريد ان أخرج…أريد ان أعيش (نشيج وعبرة )

أحمد : للأحلام مهج

عماد : أكيد

أحمد : كما البشر تحب ..تعشق …

هيثم : تعشق ؟.!!!

أحمد : تتألم / تخاف / تبكي (نشيج )

هيثم : وهل تضحك الاحلام ايضا؟

أحمد: نعم وتضحك أيضا تضحك …(يضحك) أش

هيثم : احمد لماذا ؟

احمد:ماذا ؟

هيثم : يعني لماذا …نعم لماذا دائما ..لماذا ؟ ( نشيج) لماذا يا احمد أجبني عليك الله لماذا ؟ ( يبكي ) هذا هو خلاص يعني لماذا ؟

عماد : ما بك جننت ؟

احمد : (بعصبية ) عماد

عماد: أنا لا وقت لدي للبراءة ..نادمت الموت قبل أن أعيش .. ..

احمد: الموت اكثر الأشياء براءة ..ليس هناك مبرر ان تلغي مشاعر غيرك

عماد: عطش احمله منذ قرون ..شهقة هي كل ما املك من شجن ..احتار أحيانا لمن أشتاق.. أذا أردت ان اشتاق كما البشر حين يشتاقون ..لمن؟

أحمد: هو لا يملك غيرك هنا

عماد : هنا الصمت لا يقي أحدا من شر ولا الكلام…هنا وجع يستصرخ ـ السوط يضرب .. وأنا أصرخ ..آخ .. يضرب .. يضرب وأنا اصرخ آخ . يضرب وأنا أصرخ آخ آخ آخ ,,,يضرب ..آخ .. أقع أرضاــ لأنهض للسوط ثانية ..

أحمد : (يعانقه )

هيثم : (يذهب إلى أقصى السجن … حيث ينام ياسر) ياسر ياسر .. انهض ياسر .. ألا تنهض …

احمد: الأحلام يا صديقي …

عماد : (يقاطعه) كفى لا تحدثني عن الموتى

احمد : الأحلام لا تموت

عماد: قتلوها يا احمد

احمد :لكنها أكيد ستصحو

هيثم : (يضحك) ذات يوم مات جارنا، حملنا تابوته إلى المغتسل ومن ثم إلى المقبرة ..وإذا به (طس) يعطس ليصحو ويرفع التابوت هكذا فجأة (يضحك) تساقط جميع المشيعين من العربة ..إلا أنا .. لأني كنت ميتا لحظتها تقول أمي :إن ملك الموت قد توهم .

عماد: كيف يتوهم ملك الموت؟ ..الا سألتها

هيثم : (يذهب نحو ياسر) سامر سامر قم اسمع هذه الطريفة

عماد : ياسر .. بابا اسمه ياسر

(طرق أبواب ,,صراخ .. عويل .. ينهض السجناء مرعوبين، هيثم يخاف بشدة وعماد عنيد لا يبالي وتتضح عنده اللا مبالاة لكنه يرفض الاذى واحمد جلد صبور لا يريد ان يريهم ضعفه حتى عند الألم)

عماد : يبدو ان الوقت قد حان ليضعوا صدأ أسئلتهم في رقاب هذا الليل

(برهة صمت ومراقبة تبين ان لاشيء )

هيثم : (يضحك) بابا (هاي اشبيك) اي ليل تتحدث عنه الدنيا صبح .. صبح

احمد : وما أدراك ؟

هيثم : أنا؟ تدريني لا اعرف الوقت ..لكن الوقت يعرفني ..(برهة صمت ، يضحك) كانت لدينا ساعة يطلع منها بلبلا يغرد عند كل رأس ساعة ..ذات يوم صدقني ،سمعتُ البلبل ينهق مثل الحمار يا سبحان الله (يستغرب من صمت جماعته) (مع عماد ) أتريد سيكارة

احمد: عندك ؟

هيثم : لا لكن خذها من يدي تخيلها سيكارة ودخن على راحتك (يضحك) لكن دير بالك لا تحرق بطانياتنا ( يضحك) (يذهب صوب النائم) ساهر .. ساهر .. قم يا ساهر قم أتريد سيكارة

عماد : أسمه ياسر ….دعه ينام يا أخي .. ولتنم أنت قليلا

هيثم : أنا لا أنام ..

احمد : كالعادة

هيثم : .. أنا أخشى أن أنام …الناس تحلم باشياء جميلة وأنا احلم بهؤلاء أولاد الكلب يضربونني ..ما إن أغمض عيني حتى أراهم يقفون على راسي ,طاخ ما طاخ مشكلة يا أخي يتعقبون الناس حتى في منامهم ولذلك قررت آن أعيش العمر صاحيا هكذا دائما

احمد : لكنهم يأتون إليك في صحوك أيضا !!!

هيثم : أحسن في الصحو أحسن.. كي أحسن استقبالهم وأنا كفؤ للضيافة وخاصة تلك التي من النوع الثقيل .

( هدوء ـ صمت …الجميع في حالة استرخاء احدهم يغني بهمس )

احمد: كنا جمهرة نريد أن نعبر الفجر

هيثم : أين هم الآن ؟

احمد: لا ادري حين فتحنا خارطة الوطن أمامنا

عماد : كنتم حزبا إذا ؟

احمد : احدنا اختار الشمال وآخر اختار الجنوب

هيثم : لو كنت مكانك لاخترت الشمال

احمد : (يضحك) وكاظم عبد الله

عماد : من هو؟

احمد : صديق هرب من نهر جاسم ذهب ليسأل شرطي الأمن ..قل برأيك يا أخ أي الجهات أكثر أمنا للهروب؟

(يضحكون )

عماد : وأنت إلى أين هربت ؟

احمد : إلى عينيها فانا لا مأوى لي سوى عينيها

عماد : إلى هذا الحد

احمد : نعم إلى الحد الذي يجعلني أعيش جحيم السجن بلذة أهل النعيم

عماد : خطاباتك خطيرة يا احمد

احمد: وصمتك اخطر

هيثم : رجاء احسبوا لي حسابا ،تحدثا معي ،لا تجعلاني كالأبله بينكما…لا افهم شيئا ..وإلا سأنهض لاصحي ثامر .. (مع النائم) ثامر ثامر اجلس أرجوك وحدثني عن الفرق بين الصمت والسكوت

عماد : ياسر …بابا اسمه ياسر

احمد : الصمت يا هيثم خطر في بلد يكره الفكر والتأمل والبحث عن الذات والكلام خطر في بلد يكره الحقيقة

هيثم : الآن فهمت ..إذاً نحن نتآمر على الحكومة لأنها لا تقبل بالصمت ولا بالكلام …وسيسجنونا والساتر الله (ينهض ، يذهب نحو السجين النائم) شاكر…. شاكر…. بلا زحمة كم الساعة الآن؟

عماد: دعه ينام

هيثم : من حقي أن احتج كيف ينام هو ولا اقدر آن أنام أنا هذا ظلم ..؟

عماد : نم لو أردت

هيثم : والملاعين لا…لا .دعني اسهر… اكملوا ..إلى أين وصلنا …..سألني احدهم لم أنت سجين؟ سألته :ـلم أنت سجان ؟.. فارتاح لي كثيرا (إيماءة الضرب )

احمد : دعنا ننام قليلا يا هيثم

هيثم : والأحلام هل تغفو معك وتنام؟

عماد : (يضحك) سؤال يقظ

احمد : هل تعرف يا عماد إن الحلم معجزة ؟..ولا يستطيع الإنسان مهما حلم آن يحلم خارج الواقع

عماد : إذاً هي نفس المأساة كلاهما واقع. السجين واقع ..والسجان واقع أيضا

هيثم : هل يعني يحق لي إن اضربه مثلما يضربني طاخ .. طاخ..اراويهم نجوم الظهر ..ماذا جرى لكما أحاديثكما تدور فقط عن السجن والسجناء والسجانة ..نسيتم حتى المطر ،صلوا على محمد وآل محمد وحدثونا عن أشياء ..جميلة عن الطبيخ ،مثلا عن النساء ..ذات مرة وهم يقودوني إلى التحقيق مررنا بقاعة كبيرة في طابق علوي. وفي لحظة من لحظات الانتظار نظرت إلى نافذة قريبة فرأيت منظرا أجمل ما رأيت في حياتي…

أحمد : ماذا رأيت ؟

هيثم : رجل وامرأة يسيران سوية.

عماد: ما هو السؤال الذي سيحتوي مثل هذا المشهد؟

هيثم : سألت نفسي حينها وأنا ابكي ..هيثم هل ستتزوج يوما مثل الناس ويصير عندك امرأة وأطفال وبيت أم ستذهب إلى ربك هكذا أعزب ..أنا احلم فعلا مثلكم احلم أن اجلس على السفرة مع أهلي واكل مثلا دولمة يوم باميا ويوم باذنجان أنا هنا أكل ما لا استطيع آن أحزر ما هو طعامي وما طعمه والى أي صنف ينتمي يعني غذاء مجهول الهوية

أحمد : (يضحك).. مثل هذه الأحاديث تفتح الشهية ..بشرفكم كم صارلكم لم تأكلوا السمك؟ الدجاج ..؟ اللحم؟ سنموت من الجوع ..ما نأكله من ضرب واهانات أضعاف ما نأكله من طعام

عماد : ايهما الذ طعما ؟

هيثم : الواقع الذي تتحدثان عنه بثقافة، أنا لا افهمه

أحمد : لكنك تعيشه

هيثم: أنا اعرف مسألة واحدة..مثلا إن منظر المرأة وهي تبكي يزيدها نظارة وجمالا، مشهد فيه جاذبية وعاطفة وحنان ووجع وقلق، والذي نعيشه من واقع هنا هو كفر لم نسمع فيه، إلا بكاء الرجال وآخ ما آخ والواقع يقول عندما يموت شخص ما ينادي المنادي ( أخواني المؤمنين انقلوا أقدامكم إلى مغتسل المخيم لتشييع جثمان المرحوم المغفور له ) وهنا من يموت يدفنونه خارجا (بارتباك ..وتردد )……صحيح احمد.. أين يأخذون من يموت هنا ؟

احمد : والله لا ادري سأخبرك حالما أموت

هيثم :انك تعرف كل شيء ،عجبا هذه لا تعرفها،

أحمد : اسمع مثلا هناك مقابر خاصة

هيثم : نعم ؟

أحمد: أحواض تيزاب مثلا ..ثرامات لحم ..ثلاجات المستشفيات ليزجونا مع جثث اقرب حادث مروري و…و… مثل هذه الأمور …

هيثم : ( بسخرية) جميل .. سوالف تفتح النفس ..حقيقة تفتح النفس و يقولون إن السجين في الخارج عنده سرير خاص وغرفة مؤثثة فيها ثلاجة وتلفزيون

عماد : وبعد ؟

هيثم :ـمكتبة وتليفون ويعطونه سكائر وتغذية درجة أولى وراتب سجين (ها ها ها ) راتب سجين يعني الإخوان سفراء (يذهب إلى النائم) زاهر زاهر بلا زحمة نحن في أي فصل من فصول السنة

عماد : ياسر بابا ياسر اسمه ياسر

احمد : هناك دائما أشياء عزيزة جدا في الحياة لدرجة إنها تستحق التضحية بكل شيء

عماد : ولكن لايعني ان تضحي بالحياة من اجل الحياة؟

احمد: نعم نضحي حتى بالحياة نفسها.. يا أخي نحن لم نقتل

هيثم : لا والله

أحمد : ولم نسرق

هيثم :لا والله

أحمد: ولم نهتك عرض احد ..ولم نخن وطنا ..والقضية وما فيها

عماد : (يقاطعه) انهم يرون في أعيننا ما لا يملكون ..

أحمد: صدقني خارج هذا السجن لا تستطيع أن تهمس في أذن أخيك خشية منه

هيثم : ولذلك يقول قائلهم للحيطان أذان

أحمد : تيقن إن الجدران هنا لها قلوب انظر إليها ساعة ألمك سترى دموعها تبكيك بنا أصبحت هذه السجون جوامع .. قلوبنا مآذنها ..

هيثم : لماذا يسجنوننا ما الذي فعلناه؟

أحمد : نعم هذا هو سؤال الفطرة .. والعقل

عماد : لو فكرت جيدا لرأيت أنهم ليسوا بحاجة إلى سجني أو سجنك أو سجن هيثم أو سواه

هيثم : لماذا اذن نسجن؟

عماد: هم بحاجة إلى سجن الأمل الذي يحتويني ويحتويك …

أحمد : صحيح

عماد: قد لا أجيد بلاغة الكلام لكني أؤمن إننا لابد أن نرعى الفطرة خشية أن نفقدها

احمد : هذا وعي

هيثم : أنا . أيضا استطيع التحدث بما يدهش إذا كان الكلام يمنحني حريتي.. دائما احمل لامي حكمة.. تقول.. إن الإنسان الذي لا يحمل ضميرا يؤنبه عند ظلم الآخرين فلا خير فيه.

عماد : فعلا حكمة

هيثم : الشرطي يضربني كأنه يقتص مني دم أبيه…. أبن الكلب يضرب دون أن يوجعه ضميره أو يؤنبه ..يضرب .. يضرب ولا يجوز مني إلا بعد ان افتعل السقوط

احمد : كم هو الفارق بين ملك يمنح جزيرة تكلف الدولة طن ذهب لبناء مرصد فلكي قبل (500) سنة وبين حاكم لا يجيد إلا بناء السجون ؟

هيثم: جميل الآن جميل كلام يخرب البيوت،وسجن دون واسطة وتهم جاهزة على المقاس، الانتماء الى الطابور الخامس ثانيا …التجسس للمخابرات الأجنبية وثالثا … التقاعس المتعمد عن تحرير جزر ألواق واق.أش بعد ممنوع الكلام يا الله ناموا (بعد لحظات صمت) .. احمد لماذا سجنوك؟

احمد: نام هيثم نام

هيثم : ( ها ها ها ) سيطلعون علي الجماعة بهراواتهم ..لا… سأقوم لاصحي شاكر أحسن ..شاكر شاكر

عماد : ياسر .. ياسر انه ياسر ..اتركه يا أخي

هيثم : ما افعل إذا وأنا جوعان؟ صدقني لو حضرت الآن سفرة لتحولت كلي إلى معدة

(أصوات أقدام … صرير أبواب .. صراخ .. أطلاقات انين يهدأ رويدا رويدا .. صمت)

أحمد: من منا يقدر أن ينظر إلى تلك النوارس العالية..هناك فوق وهي ترتقي الفضاءات….

هيثم : (يلجمه الخوف) انا رأيت نجوم الظهر

احمد : ومن منا يقدر أن يسمع بكاء المطر و صهيل الجراح وهي تنادم الصمت

عماد: الصمت ابلغ كلام في زمن الخرس

هيثم : نحن ولله الحمد صامتون بلا موت

احمد: وحين نموت سيحلو الكلام (مع عماد) عماد قد يكون ساذجا هو السؤال لكن ثمة زهو يعتريني بك ….لم سجنت؟

عماد: (بمودة ) ولم تسأل؟

احمد: اشعر كأنك خيرت فاخترت

هيثم : ما هي السالفة؟ هل ثمة من يختار السجن والتعذيب وال وال ..

عماد : ذكي انت يا أحمد ….يعلو الوهم أحيانا فلا يقدر أن يلوي أعنة غرور الإنسان عقل أو ضمير فينشأ أبناء الوهم الأغبر وهم يرون الليل فجرا ويكبرون عميان ..

هيثم: ماذا تعني ؟

عماد : نشأتُ ولم أكن اعلم إني ابن نعيم زائف وخبز حرام مداف بدم الفقراء ..

هيثم : هـو

عماد: لستُ عقوقا كي ارجم أبي بالشبهات (يتحرك في فسحة السجن كمن يرى الدم لأول مرة).. دم.. دم..دم.. دمُ من هذا يا أبي؟ يجيبني

صوت الاب : هو زهو حضارات عمرتها الفرسان يا بني !!!

عماد : يا أبي هل بعتم التواريخ أيضا؟ وهكذا شمخ الصمتُ عنيدا داخل ذات هدمتها أسوارها..استجدي الرحمة من الناس (يمسك بتلابيب هيثم) من يهب عيني غفوة حلال (مع الناس) ارحموني يرحمكم الله ..فيجيبني صدى صوت من السماء ..

صوت : ابشر بالفوز القريب يا عماد ..

عماد : أسأل نفسي كيف وأنا ابن السهم الذي يحز وريد الرضع باليتم؟

هيثم : كيف ….

عماد : نعم كيف وأنا ابن من يوزع الثكل بين الأمهات؟ ويرمل الزوجات قربة لوجه كرسي اعور ..؟

صوت الأب : خذ هذه تقارير جاهزة تقدر ان تبني دار سعدك يا بنيٌ، هذا رأس يتيم بلا أب وهذا رأس غريب لا نعرف له ناس وهذا رأس وحيد ليس له أهل ..وذاك رأس عليل دون سيفك سيموت.. وذاك .. وذاك ……وذاك ..

عماد : وريقاتك أبي تتدلى بحبال المشانق وعلى أطرافها تقبع السجون ..ارفع يد الدعاء يا رب ارحمني ..

( السجناء يرفعون معه يد الدعاء )

مجموعة باصوات متفرقة: اللهم أرحمه يا رب

عماد: واجلس أمام هيبة الجلال ..ألا مجال للتوبة يا شعب؟ فانا بالله وبك استغيث ..

صوت : من أنت ؟

عماد : أنا الذي أكلت أكباد أبنائك دون أن ادري ..

صوت : أنت ؟!!

عماد : وضحكت على نحيب الناس دون أن ادري

احمد : ما الذي حدث ؟

عماد : التفت وريقة من وريقات أبي حول رقبة ولد لم يطاوع أباه على الذل ..(يبكي) أنتم هنا أهلي وإخوتي وناسي يا احمد وهذا الصمت الذي استفز سؤالك كاد أن يفجرني فانا اليوم سعيد لأني أخ احمد وهيثم وياسر وعدنان وكاظم وأخ كل أفق ينتظر المطر …

هيثم: (يبكي .. ويستمر بالبكاء يحاولا إسكات بكاءه فيعجزان/يريد أن يقول شيئا لكنه يعجز عن القول )

احمد: البكاء هو المنطق البليغ ساعة النزف

هيثم : (بصوت متقطع) ربما هو غبطة الجراح

احمد: (ليرطب الجو) حلو صرنا نقول الفلسفة يا ولد

عماد : إذا كنت تريد أن تعرف حجمنا الطبيعي يا هيثم فانظر لعين السجان لتعرف بأي حجم تراك عينه

هيثم : أنت رائع يا عماد ..

عماد : المشكلة أنهم يرون في كل وليد جنازة ونحن نرى في كل جنازة وليد . فلا تخف ابدا يا هيثم … لا تخف

هيثم : صدقني أنا أخاف عليكم أكثر مما أخاف على نفسي

أحمد : أعرف

هيثم : رغم إن شراسة هؤلاء الكلاب تخيف الجبال ..لكني مهضوما أسأل لماذا نهان .. نضرب … نداس بسنابك خيل هوجاء ….

احمد : لكوننا امتداد جذر طهور

هيثم : رفضتُ أكثر فرصة للسفر

عماد : لماذا ؟

صوت الأم : أينما رحلتُ يا ولدي ستجد ان الأرض ضيقة بلا وطن ..

هيثم : ولا أحد يسألني لم سجنت؟ (برهة صمت) لم اقل لأحد عن سر مجيء أبدا ..لكن هذا الصفاء يلهب الحماسة والصدق والشجاعة ..(لحظة صمت) كان أبي الحاج عزيز العطاررحمه الله رجل مروءة وشهامة ودين ..

أحمد : يرحمه الله

هيثم : (بحزن) رأيناه يوما والحزن يأكله ..(بهدوء) أبي لم يشأ أن يخبرنا بما يعاني أو بما يريد .. (يصيح) لم نسمع منه سوى همهمات وعيد محكم النبرات .

صوت الأب : الصباح رباح …بسيطة .. سأريهم من هو الحاج عزيز العطار ..

هيثم : (بهدوء) أبي يحتفي وحده بالقرار …

عماد : وأمك ؟

هيثم : نادمت أمي الصمت دون أن تبوح بشيء ..يا ولدي إن صدور الرجال صناديق مقفلة، هي خزين الم وهم ..وانطلق الوجد رايات ..سمعنا الصبح ….من يقول إن شيخ الجامع قد شاخ فاعتزل البيت دون صلاة ..( بتعجب) يا سبحان الله رجل بين ليلة وضحاها يشيخ ؟!! … أم ان شظايا وعيد أقفلت أبواب الله ..عرفنا ان مجموعة من الشياطين دنسوا الجامع بموبقة رعناء، هددهم بانه لن يسكت اغلقوا الجامع بحجة خائبة، ودنسوا سمعة أبي، وأبي يلملم بقايا الصوت مئذنة ..

صوت اذآن: الله اكبر .. الله اكبر

هيثم : وهب الناس صفوفا خلف النداء ..وهناك من كان يتربص السجدة فيطبر هامة الدعاء (بهمس) رفعوا أبي راية من رايات السنا …

صوت الأم : أبوك يحتاج إلى ارض بحجم قلبه ولذلك رحل شهيدا

صوت غريب : أش… لا تبكوه ..لا تنصبوا له مأتماً لا … لا…

هيثم : وحسنا فعلوا كما تقول أمي

صوت الأم : شاء الله أن يرحل أبوك كما الشهداء بصمت ..

هيثم : هندمتني بعد ذلك أمي من أجل ان أسعى خادما لفيض كل دعاء ..

صوت الأم : انت ابن ابيك يا ولدي فأذهب لنصرته

هيثم : (يقف امام شيخ جليل متخيل) سيدي أنا اريد أن أكمل مشوار أبي واخدم هذا المجد عنوان وفاء، أنا أبن هذا الدم الذي سال زهوةً، على عتبات مسجد من مساجد الله ..أنا .. أنا …..

صوت الشيخ : عد إلى أمك يا ولدي فلم يزل الجرح ندياً على قلبها المفجوع بالحسرات ..

هيثم : سيدي هي التي هندمتني إليك …(مع جماعته ..بهدوء ) أمي ..أمي التي تخاف علي من النسمة والأرض

أحمد : والنعم

هيثم : هي ذي تجندني زاد فداء (برهة صمت ).. وإذا بلحظة من لحظات المخاض… لا ادري كيف تحول الفتى المدلل الخائف إلى رجل مقدام يرفض المهانة وهو يرى شيخ الجامع نائما قرب خطوته ملطخا بالدماء …..

صوت الشيخ : عد الى امك يا ولدي

هيثم : (لحظة دهشة) ارتعدت فرائصي.. الشيطان يحمل مسدسا يلوح به بوجهي (يمد يده على هيئة مسدس / يصوبه الى الجمهور ) ضرب بكعب المسدس راس الشيخ صحت غضبا وانا انظر الى وجه امي تقربت اليه ماسكا بيدي حجرا صلبا يا … (طخ) وإذا بأمي تطلق خلفي زغرودة فرح ودمع وداع. واجتمعت علي أكوام الدمى الحجرية من كل صوب ..هذا يضرب وذاك يرفس وذاك يعض كما الكلب يعض وها أنا ارتحل من سجن إلى سجن لأكتشف معنى الإنسان ..

عماد : ماذا تعلمت؟

هيثم : تعلمت أن على السجين أن يخاف.

احمد : رغما عنه سيخاف

هيثم : لابد له من الخوف كي يسلم ويعيش ..ورغم هذا الألم هناك شيء ما يشدني إلى الفرح الجميع هنا يناديني ..هيثم نعم أنا هيثم يا احمد أنا هيثم عزيز العطار ..هيثم عزيز العطار ( يبكي )

( صوت خطوات مرعبة … صرير أبواب السجن .. صراخ .. صمت … وإذا بسيل دم يدخل من باب السجن )

هيثم : دم .. دم .. انه دم (يرتجف) احمر انه دم ..دم إنسان هو دم يا احمد انه دم … دم

احمد : انه المطر .. المطر ..مطر يغسل وجه الصمت (برهة صمت) الرحلة المباركة تحط عند هدب أمان ..انه المطر الذي سيغسل وجه الصحوة مطر .. مطر

هيثم : تقول أمي ..الشهداء يهبطون دائما إلى بيوتهم بشكل مطر اخضر

عماد: وثمة مطر آخر لا تعرفانه مطر اسود يعجن من هذا الدم خبز زاده الذليل ..هو منظر ألفناه وما زال يرعبنا هذا النشيج منذ مقتل هابيل وقابيل يستشري القتل من اجل ذات واهمة وبضع طريق في صحراء تتيه فيها الخطوات (برهة صمت تعود الأوضاع على حالها)

هيثم: لأذهب اصحي نادر.. نادر نادر حضر الدم فبطل النوم جننتني بنومك فأصحو نادر

احمد: هو ياسر ياسر يا هيثم فدعه ينام

عماد: نستكين أحيانا إلى الظل لنرى الأشياء

احمد: استدراج ذكي

عماد: لا هي دهشة عامرة بألف سؤال ..جذوة تستوقد لهب الكلمات ..انتقاء مدهش لموازنة الحكمة … ثقافة تحمل نير فلسفة واعية ..واستحكام عجيب في مضامين القول.. معرفة تستقري فيها خبايا الإنسان. كل هذا وما زلت تعيش إلى ألان؟!!!! دون أن تقتل بعد .. غريب

هيثم : تقول أمي اليقين أمان

أحمد: منذ نعومة الحرف الأول. وقد تنبأ الكثيرون لي بقتلة بكر لم تلد بعد .. رأس يطاف عبرة للناس ويمنح حامله جائزة وعرس ..رأيت نداوة الشهادة على جسد أخ يكبرني سنوات ..تعرشت وصيته في دواخلي صولة لا تخبو ..أوصيك أوصيك يا أخي فمن مثلك لا يباع ..ومن مثلك لا يخاف ..ومن مثلك لا يعطي يد الذلة لأحد … وذلك صرت لا اسمح لأحد أن يقايضني الصحو

عماد: ما الأمر إذا؟

أحمد : يبدو إن المخاضات عسيرة في زمن الموت وإلا هل يعقل أن اسلم اليد لمن احذر الأقربين منه. الذئاب يا أخي لا تحتاج إلى عذر كي تلتهم فريستها ..هي حبائل مكر صنعوها بأيد مرتجفة … والتواريخ شهود ..

( صمت حزين ثم صوت أقدام / صرير أبواب / صوت في وسط السجن ..)

السجان : انهضوا جميعا

احمد: نهضت دواخلنا في هذا الآن.. وهي تدري إن فسحة الدعاء واسعة للسجناء المنكوبين ..اللهم إنا لا نملك سوى يدك يد نلوذ بها إليك

عماد: اللهم إنا لا نملك سوى يدك يد نلوذ بها إليك

هيثم : اللهم إنا لا نملك سوى يدك يد نلوذ بها إليك (يذهب مباشرة إلى النائم) ناصر ناصر قم ناصر (بحرقة) قم ناصر الجماعة سيأتون ..

أحمد : ياسر ياسر بابا ياسر

هيثم : ياسر ناصر عباس ليقعد وإلا قتلوه ..(مع النائم) اقعد ياسر ياسر ..ياسر اقعد ثامر ناصر اقعد اقعد… (يبكي )

عماد : (يتقرب إليه .. يفحصه) لا تنهضه يا هيثم انه نهض قبلنا

أحمد: ذهب هكذا بصمت رجل بصبره ربح النزال

هيثم: (نشيج طويل) ياسر ناصر اجلس يا كل الأسماء كيف تتركني وحدي وأنت ربع العالم عندي

أحمد: الطريق طويل …قلتُ الصبر أطول ..(مع عماد) لا تغمض عينيه دعها مفتوحتين إلى الله ..(برهة صمت) دعنا نوقفه ونقف به ..

( مشهد بنتومايم …. ضرب سياط .. الأربعة واقفون .. تعابير الألم على الوجوه … عنفوان التحدي يترجمه المشهد… يضربون يضربون لا شكوى ولا أنين .. يضربون يضربون ثم يتحول المشهد إلى احمد وحده في السجن)

أحمد: أين انتم الآن؟ الم اقل لكم المطر قادم قادم لامحال ..ولكن إياكم آن تسمحوا لأحد آن يسرق منكم المطر.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع طرق الربح مع كيفية الربح من الانترنت