كتابة النص المسرحي وقراءاته الرحكية المتعددة / بقلم د.فوزية البيض

 

لا يتوفر وصف.

  المخرج والممثل الطيب الصديقي       الكاتب والمخرج محمد تيمد            الناقد والمخرج عبد القادر اعبابو                     المسرحي  حوري الحسين      

 

بمناسبة اليوم العالمي للمسرح الذي يصادف 27 مارس من كل سنة، نود مناقشة ماهية طبيعة العلاقة التي تربط بين كاتب النص المسرحي والمخرج، ماطبيعتها ؟ هل هي مجرد علاقة بين نص ورؤية؟ هل هناك من حدود يجب ان لا يتجاوزها المخرج في تعامله مع النص؟ ايهما الاحق بان ينسب اليه العمل الفني؟  هل من حلول لتجاوز الالتباس والخلافات؟

تنوع اتجاهات الاخراج كل حسب فلسفته وتصوره والتي غالبا ما لا يريد فيها صاحب الكتابة الركحية اعادة ترديد النص وإلقاءه كخطاب بل يشتغل على تجاوره وتشكيله وتجسيده بصريا. قبل الإجابة على هاته الأسئلة وغيرها، لنعرف أولا ما هو المؤلف. الكاتب يرى انه هو أصل الابداع، ولولا حبره وتفكيره لما كان هناك منتوج ولا ابداع أصلا. لأنه هو من فكر وتدبر وقرر اخراج نص يعد نواة الفعل المسرحي. خلافا لذلك يرى المخرج انه صائغ الرؤية الاخراجية التي تضيف الى النص اللمسة الفنية التي بفضل اعدادها يرى العمل النور. أي ان التفكير ركحيا هو ما يعطي الحياة للنص وبالتالي يعد المخرج هو الكاتب الحقيقي للنص. نحن امام علاقة ملتبسة يحكمها صراع البحث عن الذات. علاقة معقدة مثل التي تربطهما بالناقد.

رغم أن المخرج يؤكد أن العلاقة بين الإثنين ليست نِديّة، بل علاقة توافق وتشاور هدفها العام هو إخراج عمل فني للوجود بمقومات تلقى استحسان وإعجاب الجمهور الواسع. الا ان أواصر الروابط بين الكاتب المسرحي والمخرج، حتى عندما تكون مثمرة وسعيدة، عند الانتقال من النص الأول المتخيل في صيغته المرقونة الى مرحلة النص الثاني الملعوب بعد مرحلة إدخاله المختبر وإعادة كتابته بنفس تشكيلي لخلق الايهام، غالبًا ما تصبح متضاربة. لان التناغم المنشود بين المخيلتين والتصورين في جميع الاحوال ما يكون محبطا للآمال.

يتصور الكاتب المسرحي في مرحلة صياغته للنص وهو يضع الفعل في فضاء الركح المتخيل ان العرض سيكون نسخة لما تخيله وفيا لطريقة تصوره العام الذي اشتغل عليه. لكن بمجرد ان يتحول النص الى عرض يصبح في اعتباره أن العرض المسرحي بمثابة خيانة حتى لو كانت هناك متعة فرجة وبهجة له ​​في رؤيته مجسدا عن طريق اداء شخصيات متخيلة. كما أن الباحث المتتبع يلاحظ ان الكتاب المسرحيين، أصبحوا مؤخرا يضاعفون من التعليمات الركحية، كوسيلة لعدم فقدان معالم نصوصهم التي قاموا بتأليفها.

إن الطريقة التي يفكر بها المخرج في العرض والطريقة التي يفكر بها المؤلف في المسرحية هما أمران مختلفان تمامًا لدرجة أنه من الأفضل أن يتجاهل كل منهما الآخر قدر الإمكان، وأن يلتقيا فقط في النتيجة. لان المخرج يعتمد في عمله في رقعة الركح على أدوات الكتابة البصرية، يحقق رؤيته الإخراجية بمساعدة نص الكاتب. وفي حال ما إذا لم يكن هنالك توافق بين فكرة المخرج وفكرة المؤلف حول أجزاء من مسرحيته بشكل عام، يحق للمخرج أن يركن جانبا أجزاء من النص الأصلي للكاتب بكل احترام وتقدير وأن يكتب ركحيا نصا ثانيا يتناسب مع تصوره وفكرته الإخراجية كمدير فني مسؤول على العمل المسرحي يديره من الالف الى الياء.

لا يتوفر وصف.

في أحايين كثيرة، يحتدم النقاش والاختلاف بين الإثنين في وجهات النظر حيث يعتبر المؤلف أنه يقدم الكثير في صياغة نص من بنات افكاره يتطلب منه وقتا طويلا في البحث والتنقيب والتدقيق لإخراجه في حلة فنية لائقة. لكن مع ذلك يحمل العمل المسرحي أو السينمائي إسم المخرج وليس المؤلف. لان المخرج هو صاحب العمل وليس مجرد مخرج مُنفذ للسيناريو او القصة، ورغم أن المؤلف هو أساس العمل إلا أنه يجب أن تكون لدى المخرج رؤيته وإحساسه المستقل في العمل. ولا يمكن اعتبار التجريب خطأ، او انه حذف قسري للنص لأنه لا حدود لحرية الابداع.

أحيانا يقرر المخرج حذف مشاهد أو أدوار مضطرا لضرورة احترام زمن العرض لأنه يرى أن النسخة الأصلية للنص طويلة ولا يمكن قراءة كل النص جملة وتفصيلا في عمل مسرحي من المفروض فيه توظيف أدوات تقنية بصرية تمرر الاحاسيس وتعزز الرؤية الدرامية المفعمة بالجمالية والفرجة التي لا يمكن أن تستقيم بدون اشكال والوان واضواء واحجام وايقاعات.

لا يتوفر وصف.

يحدث أن يحتدم الإختلاف أحيانا في وجهات النظر في بداية العمل الفني ليصل إلى خلاف في نهايته يتهم فيها الكاتب المخرج بالتلاعب بنصه وحذف أجزاء يعتبرها رئيسية في أحداث روايته ومهمة في بنية عمله، ينتهي السجال في صفحات الجرائد، في قنوات التواصل أو في ردهات المحاكم لا يفصل فيها الا الجانب القانوني.

ينكر الكاتب المسرحي كولتيس بشكل قاطع، أي إمكانية للتعاون بين المخرج والكاتب المسرحي. ورغم اننا يمكن ان نعتبر ان في تصريحه مبالغة، إلا أنه مبني على ملاحظة لا يمكن إنكارها. إن أي عرض مسرحي، مهما كان صادقا، مثل أي ترجمة، ينطوي على خيانة للنص الأصلي الذي يحوله. “التوجيه هو ترجمة النص إلى صور، في مساحة معينة، وإنتاج اللغة الذي، بدوره، يحدث في المحور الزمني. إنه ينتقل من العالم العقلي المتخيل إلى العالم المكاني الملموس”.

انطلاقا من هنا فمن الحتمي أن تكون العلاقة بين الكاتب المسرحي والمخرج ندية، حتى لو كانت تنطوي على جلسات ولقاءات مثمرة وفي أجواء إيجابية. نذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر اللقاءات التي كان يجريها بول كلوديل وبارولت، وجيرودو وجوفيه، وبيكيت وبلين، وكولتيس وشيرو، المبنية على الاحترام المتبادل، والتي ولدت صداقات دائمة. غالبًا ما يكون هناك نوع من التنافس بين الفنانين اللذين يدعون تأليف العمل الفني، كما يتضح ذلك في كتابات يونيسكو، الذي تحدث في ذلك حول عرض مسرحيته “لا كانتاتريس الصلعاء”.

لا يتوفر وصف.

فالكاتب المسرحي الذي يتصور نصه، بوعي أو بغير وعي، من مرحلة الكتابة، يضع الفعل في الفضاء. ويضع المشهد في الاعتبار أثناء العملية الإبداعية. حتى لو كان المؤلف يؤلف بالتدريج معتكفا في عزلة دراسته، فإن العمل، يبنى وفق رؤية ذهنية، تتشكل فيما يسميه يونسكو “الهضبة الداخلية”. جاء في كتابه “ملاحظات وملاحظات مضادة” الذي جمع فيه نصوصا متنوعة تستجيب لانتقادات المعاصرين ومبادئ تقدم فنه الدرامي يتضمن من بين أجزاءه: المؤلف ومشاكله؛ تجربة المسرح؛ الخلافات والشهادات “عندما كنت اكتب مسرحية، كنت اضع الشخصيات في الفضاء وفق بنية الغرفة بأكملها كما اتصورها في رأسي”.

مهما ابتكرنا من صيغ للتعاون بين المخرج والدراماتورج فكثير من الكتاب المسرحيين يعربون عن قلقهم عندما يكتشفوا مسرحيتهم على الخشبة. نذكر في هذا السياق صياح موليير عند حضوره في فيلم فرساي المرتجل. أما الممثلون أثناء التدريب، فإنهم غالباً ما يعبرون عن قلقهم عندما ينتظرون وصول المؤلف الذي يشعرون بعدم رضاه. نفس الشيء اعترف به جوليان غراك مفاده انه لم يتعرف على مسرحيته “ملك الصياد” عندما تم عرضها في مسرح مونبارناس.

إن العالم في الصورالتي يبنيها المخرج، حتى عندما يكون فيها مخلصا قدر الإمكان للتعليمات، لا يمكن أن يعكس الرؤية الذهنية الخالصة للمؤلف، بل سيعكس، وان حاول، مجرد رؤية تقريبية. ومهما كانت قريبة، فإن الهوة ستفصلها دائمًا عن الصورة التي تطارد الكاتب. عندما يتحول النص الى عرض مسرحي يأتي التقاء مخيلتين، خيال المخرج، مضاعفًا بخيال الممثلين، وخيال المؤلف تم أخيرا خيال المتلقي والناقد. من اجل ان نقترح أجوبة عملية على الأسئلة المطروحة ضرورة العودة إلى ما يسمى “بروفات الترابيزة” بين المخرج والمؤلف للوصول إلى صيغة تكتب حبرا على ورق. تكون عبارة عن مذكرة تفاهم ببنود يتفقا فيها على وضع خطة للتعامل يحترمها كل منهما طيلة فترة الإعداد والتركيب والدراما تورجيا.

 

د.فوزية البيض / ناقدة فنية مغربية

fz.elbayed@gmail.com

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع طرق الربح مع كيفية الربح من الانترنت